تتبع مراحل عمارة المساجد في الصين:

تمثل هذه المرحلة عهد أسرة مينغ (1368 – 1644م)، وفي عهد هذه الأسرة أنشئت مساجد كثيرة، ومنها:

مسجد هواجيويه بمدينة شيآن:        كانت شيآن تحمل اسم تشانغان، وهي عاصمة الصين في عصر أسرة تانغ (618 – 907م) كما هي بداية طريق الحرير المعروف، وسكنها العديد من المسلمين المهاجرين إليها، وتذكر المصادر العربية أن إمبراطور الصين لي يو من أسرة تانغ قد بنى مسجدًا في المدينة سنة 762م، ويوجد بالمدينة اليوم بضعة عشر مسجدًا وجامعًا، ولكن جامع (هواجيويه) (التوعية) هو الأكبر من نوعه حجمًا. ويجمع أغلب المؤرخين أن تاريخه يرجع إلى أوائل عهد أسرة هينغ.

وقد وصفه الأستاذ فهمي هويدي عند زيارته له كما يلي: "هذا المسجد مصمم على الطراز الصيني، وعمره أكثر من 12 قرنًا، ومنشآته موزعة على مساحة 13 ألف متر مربع، وقاعاته يبلغ عددها 60، وهو ليس مكانًا للصلاة فقط، ولكنه مُصمَّم بحيث يؤدي عدة وظائف دينية وثقافية واجتماعية في آن واحد، وللمسجد قاعة للصلاة ومئذنة وقبة وسبيل يروي عطش العابرين، ولكن ذلك كله موضوع في تصميم صيني صِرْف، موزع في أبنية متتابعة، بحيث لا يمكن أن تعرف الوظيفة الحقيقية لكل بناء إلا إذا نَبِّه زائره إلى هذه الوظيفة، والغريب أن توزيع أبنية المسجد يُمكِّن القادم من أن يرى المحراب من على بعد ألف متر، وأن يظل متجهًا نحو القبلة وهو في طريقه إلى قاعة الصلاة، بحيث يسلك بابًا من وراء باب وقوسًا وراء قوس ليجد نفسه في النهاية واقفًا أمام المحراب، ومضبوطًا على الكعبة.

وعلى واجهات المباني المؤدية إلى قاعة الصلاة نُقِشَت آيات من القرآن الكريم، ولفظ الجلالة باللغة الصينية، وكل مبنى من هذه المباني يُعَدُّ تحفة معمارية بحد ذاته، أما قاعة الصلاة من الداخل فإن جدرانها المغطاة بالخشب الذي حفرت عليه آيات من كتاب الله تعالى، والنقوش البديعة التي تكسو السقف، والأعمدة المرمرية التي حفرت على جنباتها الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، هذه العناصر تُضْفِي على المكان جمالاً أخاذًا وهيبة لا مثيل لها.

وعلى جانبَي فناء المسجد رُصَّت حجرات عديدة، تضم بيت الإمام ومكتبه، وقاعات كبيرة مليئة بالأثاث الصيني الفاخر، ثم متجرًا لبيع العاديات! وفي ركن جنوبي حمام يقصده المسلمون يوم الجمعة، حيث يغتسلون بالماء الساخن ويتعطرون ويتوجهون إلى الصلاة.

والطريف أنه قد أقيم خلف المصلى تل ترابي مرتفع، تكسوه الحشائش الخضراء، وقد خُصِّصَ في التصميم الأصلي؛ ليصعد فوقه الإمام أو من يمثله لرؤية الهلال خاصة في شهر رمضان.

جامع عيدكاه بمدينة كاشغر: تقع مدينة كاشغر في غربي منطقة شينجيانغ الويغورية الذاتية الحكم، وترك قتيبة بن مسلم الباهلي آثار قدميه فيها سنة 711م فأصبحت مركزًا إسلاميًّا ذائع الصيت للداني والقاصي، أما "عيدكاه" فهي كلمة مركبة من العربية والفارسية وتحمل معنى "مكان اجتماع في الأعياد"، وتبلغ مساحة جامع عيدكاه الواقع في شمالي غربي ميدان عيدكاه في قلب مدينة كاشغر أكثر من سبعة عشر ألف متر مربع، ويعتبر بذلك أكبر مساجد الصين، وقد قيل: إنه لما دفن جثمان سكسير مرزان حاكم كاشغر سنة 1426م، بُنِيَ مسجد صغير بجانب قبره، وأصبحت هذه البقعة مقبرة عامة لحكام كاشغر ويارقند فيما بعد، وفي سنة 1788م تم توسيع بناء المسجد الصغير بتبرعات سيدة مسلمة تدعى قوليريرا، وأطلق عليه منذ ذلك الوقت "عيدكاه" أما في سنة 1801م، فقد كان هناك سيدة مسلمة أخرى تدعى بورو يربيار، أعدت نفقات سفرها إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج، ولكن نيران الحرب اعترضت طريقها، فاضطرت إلى العودة من حيث أتت، ثم تبرعت بنفقات سفرها لإعادة بناء المسجد، كما أوقفت أربعين هكتارًا من الأرض عليه، وبعد فترة من ذلك قام المسلمون هناك بحفر بحيرة اصطناعية وشق ترع وغرس شجيرات في المنطقة المحيطة بالجامع، وفي سنة 1876م أضيفت إلى الجامع دورة مياه للوضوء ومئذنة وحجرات للدراسة والسكن من شأنها استيعاب أربعمائة دارس، كما بنيت قبة على سطح مبنى المصلى، الأمر الذي زاد من روعة المسجد إلى حد كبير، وحين ضربت الزلازل مدينة كاشغر 1900م، تعرض جامع عيدكاه لدمار شديد، فلجأ المسلمون هناك إلى جمع التبرعات لإعادة بنائه، أما المئذنتان اللتان ترتفعان على جانبي بوابة الجامع حاليًا، فقد تم بناؤهما في أثناء ذلك بالضبط، وقد رُمِّمَ المسجد في عصرنا الحاضر، وهو يعتبر من أهم الآثار المحمية بالصين.

 







[ اغلاق ]